الاستثمار الحقيقي
بقلم: الحسين أمهال
تولي الشعوب المتحضرة أهمية قصوى للانسان وتعتبره أول شيء يجب الاستثمار فيه.فتعتني بصحته وتعليمه وتأطيره ليكون مواطنا صالحا ونافعا.لا تفكر أبدا في كبح جماح التكاثر الطبيعي للسكان ولا تسميهم همجا ولا غوغاء ولا رعاعا بل مواطنين يشتركون مع غيرهم في الحقوق والواجبات.
حتى ذوو الهمم تمكنهم من تخصصات يقدرون على الابداع فيها فتدمجهم في النسيج الاقتصادي للبلد.
إن أول ثروة يمكن الحديث عنها هي الثروة البشرية، فهي التي تصنع الاقلاع الاقتصادي وتصنع الحضارة وتقدم الاوطان وعلوها وازدهارها.وبدونها لا سبيل لأي تنمية.
إن الشعوب التي تفكر تفكيرا مستقبليا استراتيجيا لا يمكن ان تغفل عن شبابها حتى تضعهم في المكان المناسب ،إما مقعد المدرسة أومدرج الجامعة أو مركز التكوين أو مكان العمل. وأي شاب لا علاقة له بهذه الثلاثة يعتبر وصمة عار في جبين السياسات الحكومية مهما ادعت كثرة انجازاتها ،كما أنه قن بلة موقوتة لابد ان تن فجر في يوم من الايام او مشروع متسكع في الطرقات أو قاطع طريق ممن غصت بهم السجون وقاعات المحاكم.
تفشل المدرسة في مهمتها التربوية فترسل أفواجا من البشر البريء الى مستقبل مظلم ،جزء مهم الى مكاتب الشرطة والمحاكم والسجون وجزء اخر الى عوالم المخدرات وقوارب الهجرة والموت البطيء.
سيصبح الشباب أناسا بدون هوية ولا هدف ولا طموح فاقدين للبوصلة لا يعرفون من هم ولا ماذا يريدون ،ولابد ان يكونوا عالة على المجتمع رغم برامج الدعم الاجتماعي الرسمية. كما أنه من السهل ان يكونوا لقمة سائغة لدعاة التطرف الديني لجهلهم وفراغهم الفكري.فيصبحوا معاول لهدم ما تم بناؤه أصلا.
إن البلدان المتقدمة تسمي الاسماء بمسمياتها فتتحدث عن تنمية الانسان وحقوق الانسان ، ونحن نسميهم جلوف الذي يستطيع تدمير ملعب كرة القدم في دقائق معدودة اذا انهزم فريقه.
إن كل سياسة تنموية في معزل عن الانسان مجرد هراء .كما ان المتدخلين في تكوين ذلك الانسان ملزمون بتحمل مسؤوليتهم المباشرة في تكوينه وتقليم أظافره وتحويله الى إنسان طموح واثق من نفسه مبدع ومبتكر ومحب للحياة واجتماعي بطبعه مساهم مع غيره في ازدهار وطنه.بدل أن يكون وحشا كاسرا محبا للعزلة عاشقا للتدمير يميل للعنف والفوضى وينظر الى المجتمع بنظارة سوداء قاتمة. أو يحشر نفسه في مواقع التواصل الاجتماعي ساعات النهار و طول الليل حد الادمان ،كلما أحس باحتقار المجتمع له حسب ظنه سارع ليكون نشازا مختلفا في شكله ولباسه وتصرفاته راغبا في الانتقام من نفس المجتمع الذي أهانه.
إذا فشلت الاسرة وفشلت المدرسة وفشل المسجد والجمعيات المؤطرة والاعلام ومراكز التكوين في إخراج الانسان الايجابي المبادر المفكر ،فانتظر شعبا من السلبيبن والحمقى والجهال والمرضى النفسانيين وجحافل رواد الوهم والخرافة والمشعودين ومن ينتظرون المجهول ليحل محلهم في البناء والانجاز.
لم نسمع أبدا أن الصين تشتكي من عدد سكانها وأن الهند تئن تحت وطأة الاعداد المهولة لمواطنيها بل يعتبرون ذلك أهم رأسمال يملكونه.
الجراد وحده من يمكن أن نسميه جحافل وأسرابا أما البشر فهم العملة الصعبة....إنهم الثروة الحقيقية.